في الأيام الأخيرة، شهدت منطقة الخليج العربي سلسلة من الهجمات على محطات تحلية المياه، مما أثار مخاوف كبيرة بشأن استقرار المنطقة ووفرة المياه العذبة. هذه الهجمات التي استهدفت محطات تحلية المياه في جزيرة قشم والبحرين، ألقت بظلال من القلق على السكان المحليين والمتخصصين في مجال تكنولوجيا المياه.
هجوم على محطات تحلية المياه في الخليج
كانت إيران أول من أعلن عن وقوع هجوم على محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم، مما أدى إلى تأثير على إمدادات المياه لما يصل إلى 30 قرية. وألقت إيران باللوم على الولايات المتحدة في هذه الحادثة، في حين نفى البنتاغون أي مسؤولية في الهجوم. كما نفت إسرائيل أي دور لها في هذه الأحداث.
تعتبر محطات تحلية المياه من البنى التحتية الحيوية في دول الخليج العربية، حيث تعتمد هذه الدول بشكل كبير على هذه التكنولوجيا لتوفير المياه العذبة. فعلى سبيل المثال، تعتمد البحرين على محطات التحلية لتوفير أكثر من 50% من مياهها العذبة. هذا الاعتماد الكبير على التحلية يعود إلى تزايد الجفاف وتدهور جودة المياه الجوفية في المنطقة.
يعود تاريخ جهود إزالة الملح من مياه البحر والمياه الجوفية المالحة في الشرق الأوسط إلى أكثر من قرن من الزمان. ومع ذلك، فإن تكنولوجيا التحلية انتشرت بشكل واسع في الخليج العربي في العقود الأخيرة، بسبب التغير المناخي وتطور التكنولوجيا. اليوم، تعتبر هذه المحطات من الأصول الاستراتيجية للدول في المنطقة.
حذر مناحيم إليمليك، مهندس بيئي في جامعة رايس، من أن تضرر محطة تحلية كبيرة واحدة يمكن أن يؤدي إلى آثار فورية وواسعة النطاق في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تمد محطة الدور في البحرين أكثر من مليون شخص بالمياه يوميا، وتوفر أكثر من ثلث احتياجات البلاد. ومن شأن أي ضرر جسيم لهذه المحطات أن يؤدي إلى انقطاع الإمدادات، مما يؤثر بشكل مباشر على السكان المدنيين.
أثر الهجمات على السكان المدنيين
حاولت بعض الدول في المنطقة بناء احتياطيات استراتيجية من المياه، ولكن المحللون يشيرون إلى أن بعض المخزونات قد تنفد في غضون أيام. ويشير ديفيد ميشيل من برنامج أمن الغذاء والمياه العالمي إلى أن الرد على مثل هذه الأزمات سيكون عبر نقل المياه المعبأة بالشاحنات، واستخدام أنظمة التحلية المحمولة، وصهاريج المياه. ومع ذلك، فإن هذه الحلول تمثل عقبات لوجستية كبيرة.
يحظر القانون الدولي مهاجمة أو تدمير البنية التحتية التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين، بما في ذلك مرافق المياه وإمدادات الغذاء وأنظمة الطاقة. ومع ذلك، يرى ميشيل أن ما حدث في جزيرة قشم والبحرين يبدو أنه لم يكن ضررا عرضيا أو جانبيا، بل استهدافا مباشرا ومتعمدا لتلك الأنظمة.
صرح محمد محمود، مدير ملف الشرق الأوسط في معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة، بأن استهداف البنية التحتية للمياه يؤثر بشكل مباشر على السكان المدنيين، ويُعد جريمة حرب بكل تأكيد. وأضاف أن مهاجمة البنية التحتية التي يعتمد عليها المدنيون بشدة هي جريمة حرب، بغض النظر عن الطرف المستهدف.
حتى لو لم تُستهدف محطات التحلية مباشرة، فإن الأضرار التي تلحق بالمرافق المحيطة قد تعطل عملياتها. فبعض المحطات تسحب المياه من البحر، مما يثير احتمال أن تؤدي المياه الملوثة إلى سد مرشحات المحطات أو تلوث الأنابيب.
في عام 1991، اتهمت الولايات المتحدة العراق بتعمد سكب ملايين الغالونات من النفط الخام الكويتي في الخليج بهدف شل قدرات التحلية أو إحباط غزو برمائي. فتسبب ذلك في بقعة نفطية بطول تسعة أميال واستلزم جهودا دامت شهورا لمنع النفط من إغلاق محطة تحلية كانت توفر نصف مياه الشرب للعاصمة السعودية الرياض.
التعاون الإقليمي والدولي لضمان أمن المياه
تشكل البنية التحتية للطاقة نقطة ضعف أخرى؛ فمحطات التحلية تستهلك طاقة كثيفة، وكثير منها مبني في مواقع مشتركة مع محطات النفط والغاز والطاقة المتجددة، وهي تواجه خطر فقدان الطاقة إذا تضررت المرافق القريبة أو توقفت عن العمل.
أشار ميشيل إلى أن دولا مثل الإمارات تدعم المياه المحلاة بشكل كبير، مما يسمح باستهلاك وفير يشمل ري ملاعب الغولف واستخدامات ترفيهية أخرى قد لا تكون مستدامة اقتصاديا في الصحراء. ومع ذلك، فإن هذا الأمر أعاق الاستثمار في كفاءة استخدام المياه وزاد من اعتماد المنطقة على التحلية.
قد اتخذت بعض الدول إجراءات لتعزيز مخزوناتها الاحتياطية، كما جرى حديث عن ربط أنظمة إمدادات المياه دوليا. ومع ذلك، فإن هذه الجهود لم تمض قدما وسط المنافسات الإقليمية وعدم الثقة، حيث تفضل الدول الاعتماد على الذات بدلاً من الأنظمة المشتركة.
يشير مختصو في مجال المياه إلى أن الاستثمار في كفاءة استخدام المياه وتطوير تكنولوجيا التحلية يمكن أن يساعد في تحسين الوضع الراهن. كما يشددون على أهمية تعزيز التعاون الإقليمي والتحالفات الدولية لضمان أمن المياه واستقرار المنطقة.
تعتبر محطات تحلية المياه من الأصول الاستراتيجية للدول في المنطقة، وتوفير المياه العذبة يُعد أمرا حيويا لاستمرار الحياة والتنمية. ومع ذلك، فإن الاستهداف المتعمد لهذه المحطات يُعد تهديدا خطيرا لاستقرار المنطقة وأمنها المائي.
يجب على الدول في المنطقة والجهات الدولية العمل سويًا لمنع مثل هذه الهجمات وتعزيز أمن المياه. يشمل ذلك تعزيز التعاون في مجال تكنولوجيا المياه، وتنمية القدرات المحلية، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية للمياه.
في النهاية، يتطلب الأمر جهودًا مشتركة لضمان استقرار المنطقة وضمان وفرة المياه العذبة. يجب على الدول أن تضع أولوياتها بشكل صحيح وتعمل على تعزيز أمنها المائي من خلال الاستثمار في تكنولوجيا المياه وتعزيز التعاون الإقليمي.
من خلال العمل معًا، يمكن للدول في المنطقة تحقيق أمن مائي مستدام وتحسين جودة الحياة لسكانها. يجب أن يكون الهدف الرئيسي هو ضمان وفرة المياه العذبة وتحقيق الاستقرار في المنطقة، ومن ثم فإن التعاون والاستثمار في تكنولوجيا المياه سيكونان مفتاح النجاح.
يتطلب الأمر من الدول أن تكون استباقية في تعاملها مع تحديات المياه، وأن تعمل على تطوير استراتيجيات شاملة لضمان أمن المياه. يشمل ذلك تعزيز البنية التحتية للمياه، وتطوير تكنولوجيا التحلية، وتنمية القدرات المحلية. من خلال القيام بذلك، يمكن للدول في المنطقة تحقيق استقرار مائي مستدام وضمان مستقبل أفضل لسكانها.

