تجدر الإشارة إلى أن التطورات الأخيرة في سوق السندات الحكومية البريطانية تُبرز تأثير صدمة الطاقة على الأسواق المالية، حيث تحولت التقلبات من تحركات اعتيادية إلى موجات حادة تعكس إعادة تسعير واسعة للمخاطر.
📑 محتويات التقرير
تأثير صدمة الطاقة على سوق السندات
من الجدير بالذكر أن رهانات المستثمرين على خفض الفائدة اصطدمت بواقع تضخمي متجدد فرضه ارتفاع أسعار النفط، مما يعكس بداية مرحلة أكثر تعقيداً في دورة السياسة النقدية العالمية.
يشير تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” إلى أن الضغط الهائل للحرب في إيران يتجلى في بعض القطاعات غير المتوقعة للأسواق المالية، ومن بينها تقلبات حادة في سندات الحكومة البريطانية.
كانت سندات الحكومات البريطانية والأوروبية عموماً، منذ البداية، من بين ضحايا قصف إيران في الأسواق المالية، حيث اصطدمت رهانات متشابهة ومزدحمة بين صناديق التحوّط بجدارٍ صلبٍ عندما أيقظ الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط التضخم من سباته.
حوّل هذا التراجع انخفاضًا طفيفًا في أسعار السندات إلى انخفاضٍ كبيرٍ جدًا، وألحق خسائر فادحة بصناديق التحوّط، مما يعكس تأثير مركب للحروب على سوق السندات.
التداعيات التضخمية والسياسات النقدية
من جانبه، يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، أن تأثير الحروب على سندات يُعد عميقًا ومركبًا، كونه يعكس تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية: التضخم، والسياسات النقدية، وشهية المخاطر لدى المستثمرين.
سلوك السندات خلال الحروب لا يتحرك في اتجاه واحد، بل يختلف بحسب المرحلة وطبيعة الصراع، حيث يتجه المستثمرون إلى الابتعاد عن الأسهم والأصول عالية المخاطر واللجوء إلى السندات الحكومية باعتبارها ملاذًا آمنًا.
العامل الأكثر خطورة يتمثل في تأثير الحروب على التضخم، خاصة في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وزيادة تكاليف النقل والتأمين إلى ضغوط تضخمية قوية.
ويشير صليبي إلى عامل آخر يتمثل في تمويل الحروب، حيث تلجأ الحكومات إلى زيادة الإنفاق العسكري عبر إصدار المزيد من السندات، ما يؤدي إلى زيادة المعروض منها في الأسواق وبالتالي ضغط هبوطي على الأسعار وارتفاع في العوائد.
تواجه السندات السيادية الأوروبية “العاصفة المثالية” بعد أن أثارت مخاوف تضخمية جديدة ناجمة عن الصراع مع إيران، ما دفع البنوك المركزية في المنطقة إلى الإشارة إلى مسار جديد لأسعار الفائدة.
أبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير عند 3.75 بالمئة، في ظل استمرار تأثير الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة على قرارات صانعي السياسة النقدية، مما يُنهي فعليًا آمال إجراء أي تخفيضات إضافية في أسعار الفائدة هذا العام.
يرى استراتيجيو الأسواق أن القرار يُحدث تحولًا جذريًا في آفاق السياسة النقدية مقارنة بما كانت عليه قبل أسبوعين فقط، حيث يُعتبر قرار بنك إنجلترا بالإجماع أمرًا غير متوقع.
يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، أن التصعيد العسكري الجاري في إيران خلق صدمة عنيفة تضرب الاقتصاد العالمي، حيث أدت العمليات العسكرية إلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز، وهو ما دفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل.
هذه القفزة الحادة في أسعار الطاقة أعادت إلى الأذهان أزمة السبعينيات، حيث تسببت في موجة تضخم شرسة أثرت سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية، وكانت نتيجتها المباشرة زلزالًا في أسواق السندات العالمية التي فقدت معظم مكاسبها منذ بداية العام.
مع تصاعد الضغوط التضخمية، بدأ المستثمرون في التخلص من السندات لحماية القيمة الحقيقية لأموالهم، ما أدى إلى موجة بيع جماعي تسببت في تراجع أسعار السندات وارتفاع عوائدها بشكل حاد.
مستقبل سوق السندات في ظل الصراع
ويضيف سعيد أن البنوك المركزية الكبرى تواجه معضلة شديدة التعقيد، حيث تجد نفسها بين الحاجة إلى دعم النمو الاقتصادي عبر خفض أسعار الفائدة، وبين الضغوط التضخمية الناتجة عن صدمة أسعار النفط.
ويلفت إلى أن الأسواق التي كانت تراهن على دورة تخفيضات للفائدة خلال عام 2026 بدأت تعيد تسعير توقعاتها، مرجحاً تأجيل أي خفض محتمل أو الاكتفاء بخفض محدود في نهاية العام.
وينصح المستثمرين في الوقت الحالي بتقليل الانكشاف على السندات طويلة الأجل، والتركيز على السندات متوسطة الأجل ذات الجودة الائتمانية المرتفعة، مع استخدام استراتيجيات تحوط مناسبة لحين اتضاح الرؤية.
مستقبل سوق السندات بات مرهونًا بمدة استمرار الصراع، حيث في حال احتواء الأزمة سريعًا قد تتراجع أسعار النفط ويهدأ التضخم، ما يفتح الباب أمام استئناف خفض الفائدة وعودة أسعار السندات للارتفاع.

